الشيخ محمد علي طه الدرة
533
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ : جمع : قرء ، بفتح القاف ، وضمّها ، ولكن جمع الأول : قروء ، وأقرؤ ، وجمع الثاني : أقراء ، وقروء جمع كثرة ، والموضع موضع قلّة ، فكان الوجه : ثلاثة أقراء . واختلف في تأويله ، فقيل : ووضع جمع الكثرة في موضع جمع القلة . وقيل : لمّا جمع المطلقات ؛ أتى بلفظ جمع الكثرة ؛ لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء . وقيل : التقدير : ثلاثة أقراء ، من : قرء . انتهى . عكبري . واختلف في الأقراء ، فقال أبو حنيفة ، وأحمد - رحمهما اللّه تعالى - : القرء : الحيض ، وهو قول عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي موسى الأشعري ، وغيرهم من التابعين . ودليلهم ما جاء في الحديث عن فاطمة بنت أبي حبيش : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لها : « دعي الصّلاة أيّام أقرائك » . فهذا لو صحّ ؛ لكان صريحا في أنّ القرء هو الحيض . مختصر ابن كثير . وقال أهل الحجاز : هي الأطهار . وهو قول عائشة ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وهو مذهب الشّافعي ، ومالك ، واستشهد أبو عبيدة وغيره بقول الأعشى : [ الطويل ] أفي كلّ عام أنت جاشم غزوة * تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا مورّثة مالا وفي الحيّ رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا أراد : أنه كان يخرج للغزو ، ولم يغش النّساء ، فتضيع أقراؤهن زمان الطّهر ، لا زمان الحيض . وأصل القرء : الانتقال من الطّهر إلى الحيض ، وهو المراد به في الآية ؛ لأنّه الدال على براءة الرّحم ، لا الحيض . وقال آخر في الحيض : [ الرجز ] يا ربّ ذي ضغن عليّ فارض * له قروء كقروء الحائض يعني : أنّه طعنه ، فكان له دم كدم الحائض . وقال أبو بكر بن عبد الرحمن : ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة - رضي اللّه عنها - في أنّ الأقراء هي الأطهار ، وفي أيامنا تعطي المحاكم الشّرعية مدة ثلاثة أشهر للمطلقة المدخول بها ، سواء أكانت من ذوات الحيض ، أم لا ؟ وهو جيّد ، وفيه زيادة احتياط لبيان براءة الرّحم ، وحفظ الفروج . وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ أي : يخفين ما في أرحامهن من الولد ، أو الحيض استعجالا في العدّة ، أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة ، وزيادة النفقة عليه . إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ : هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان ، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرّحم بحقيقة ما فيه . وليس مفهوم الشّرط في الإيمان على أنّه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم ؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن أيضا ، فهو كقوله تعالى في سورة ( النور ) : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً رقم [ 33 ] . وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ أي : في زمن التربّص ، وهو العدّة الواجب مراعاتها . والبعولة جمع : بعل ، وهو الزّوج ، سمّي بعلا ؛ لعلوه على الزّوجة بما قد ملكه من زوجيتها . ومنه قوله :